سيد قطب
1954
في ظلال القرآن
إرواء هواتفها الأنثوية أمرا يعاب أصلا ! ومع صدق التصوير والتعبير عن هذا النموذج البشري الخاص بكل واقعيته ، وعن هذه اللحظة الخاصة بكل طبيعيتها ، فإن الأداء القرآني - الذي ينبغي أن يكون هو النموذج الأعلى للأداء الفني الإسلامي - لم يتخل عن طابعه النظيف مرة واحدة - حتى وهو يصور لحظة التعري النفسي والجسدي الكامل بكل اندفاعها وحيوانيتها - لينشئ ذلك المستنقع الكريه الذي يتمرغ في وحله كتاب « القصة الواقعية » وكتاب « القصة الطبيعية » في هذه الجاهلية النكدة بحجة الكمال الفني في الأداء ! « وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا . وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، ولنعلمه من تأويل الأحاديث ، واللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ، وكذلك نجزي المحسنين . وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ، وغلّقت الأبواب وقالت : هيت لك ! قال : معاذ اللّه ! إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يفلح الظالمون . ولقد همّت به وهم بها ، لولا أن رأى برهان ربه . كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين . واستبقا الباب ، وقدّت قميصه من دبر ، وألفيا سيدها لدى الباب ، قالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ؟ ! قال : هي راودتني عن نفسي ، وشهد شاهد من أهلها : إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين . وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين . فلما رأى قميصه قدّ من دبر قال : إنه من كيدكن ، إن كيدكن عظيم ! يوسف أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ! . . وقال نسوة في المدينة : امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ! قد شغفها حبا ! إنا لنراها في ضلال مبين ! فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ، وأعتدت لهن متكأ ، وآتت كل واحدة منهن سكينا ، وقالت : اخرج عليهن ! فلما رأينه أكبرنه ، وقطّعن أيديهن ، وقلن : حاش للّه ! ما هذا بشرا ، إن هذا إلا ملك كريم . قالت : فذلكن الذي لمتنني فيه ! ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين . قال : رب ، السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ، إنه هو السميع العليم » . . وكذلك حين نلتقي بها مرة أخرى بعد ما دخل يوسف السجن بسبب كيدها وكيد النسوة ؛ وبقي هناك حتى رأى الملك رؤياه ، وتذكر الفتى الذي كان سجينا معه أن يوسف هو وحده الذي يعرف تأويل الرؤيا ، فطلب الملك أن يأتوه به ، فأبى حتى يحقق قضيته ، ويبرئ ساحته ، فاستدعاها الملك مع النسوة . وإذا بها ما تزال المرأة المحبة ، مع التغير الطبيعي الواقعي الذي يحدثه الزمن والعمر والأحداث والظروف ؛ ومع تسرب الإيمان الذي تعرفه من يوسف من خلال تلك المشاعر والمؤثرات جميعا : « وقال الملك : ائتوني به . فلما جاءه الرسول قال : ارجع إلى ربك فاسأله : ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ؟ إن ربي بكيدهن عليم . قال : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ؟ قلن : حاش للّه ! ما علمنا عليه من سوء . قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين . ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين . وما أبرئ نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم » . . * ويوسف . . العبد الصالح - الإنسان - لم يزوّر الأداء القرآني في شخصيته الإنسانية لمحة واحدة ؛ وهو يواجه الفتنة بكل بشريته - مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه - وبشريته مع نشأته وتربيته ودينه تمثل بمجموعها واقعيته بكل جوانبها . . لقد ضعف حين همت به حتى هم بها ؛ ولكن الخيط الآخر شده وأنقذه